القرطبي

103

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الأسماء كلها ، وكان يصوم ويصلي . وهذا في غاية الضعف على ما نبينه في المسألة بعد هذا . وقيل : أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة في الأزل ، وإن لم يكن الكتاب منزلا في الحال ، وهذا أصح . ( وجعلني مباركا ) أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له . التستري ( 1 ) : وجعلني آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأرشد الضال ، وأنصر المظلوم ، وأغيث الملهوف . ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ) أي لأؤديهما إذا أدركني التكليف ، وأمكنني أداؤهما ، على القول الأخير الصحيح . ( ما دمت حيا ) [ ما ] ( 2 ) في موضع نصب على الظرف أي دوام حياتي . [ قوله تعالى ] ( 2 ) : ( وبرا بوالدتي ) قال ابن عباس : لما قال " وبرا بوالدتي " ولم يقل بوالدي علم أنه شئ من جهة الله تعالى . ( ولم يجعلني جبارا ) أي متعظما متكبرا يقتل ويضرب على الغضب . وقيل : الجبار الذي لا يرى لاحد عليه حقا قط . ( شقيا ) أي خائبا من الخير . ابن عباس : عاقا . وقيل : عاصيا لربه وقيل : لم يجعلني تاركا لامره فأشقى كما شقي إبليس لما ترك أمره . الثالثة - قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية : ما أشدها على أهل القدر ! أخبر عيسى عليه السلام بما قضي من أمره ، وبما هو كائن إلى أن يموت . وقد روي في قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا : إن هذا لأمر عظيم . وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ، ثم عاد إلى حالة الأطفال ، حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان فكان نطقه إظهار براءة أمه لا أنه كان ممن يعقل في تلك الحالة ، وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم القيامة . ولم ينقل أنه دام نطقه ، ولا أنه كان يصلي وهو ابن يوم أو شهر ، ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولاد لكان مثله مما لا ينكتم ، وهذا كله مما يدل على فساد القول الأول ، ويصرح بجهالة قائله . ويدل أيضا على أنه تكلم في المهد خلافا لليهود والنصارى . والدليل على ذلك إجماع الفرق على أنها لم تحد . وإنما صح براءتها من الزنى بكلامه في المهد . ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبا على الأمم

--> ( 1 ) في ك : الفشيري . ( 2 ) من ج وك .